القائمة الرئيسية

الصفحات

محسن الخضرجي يكتب : قصيدة الشعر بين التقليد و التمرد


أدب وفن

الخضرجي يكتب :  قصيدة الشعر بين التقليد و التمرد


قصيدة الشعر بين التقليد و التمرد يمكن تناول هذا الموضوع في عنصرين رئيسين: ــ
أولاً: القصيدة العمودية يقصد بها الشعر العربي الأصيل، ويطلق عليه (الشعر الغنائي)، والشائع قولنا:(الشعر ديوان العرب)و يضم ألوان الشعر العربي في عصوره المتعاقبة: (الجاهلي، صدر الإسلام، الأموي، العباسي، الأندلسي، الفاطمي، . . . حتي الشعر التقليدي في يومنا هذا.)، مروراً بمدارس الشعر المتنوعة: الكلاسيكية، أبوللو، الديوان، الرومانسية، الكلاسيكية الجديدة أو مايطلق عليها "مدرسة الإحياء" ، والمقصود بها الالتزام بالشكل العمودي للقصيدة (القالب الوزني القائم على بحور الشعر الستة عشر التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي - خمسة عشر للخليل ، ومتدارك الأخفش) . أخذت القصيدة العموديةأشكالاً مستحدثة فرضتها البيئة مع توسع الدولة الإسلامية في أوروبا وغيرها، فقد ظهر الموشح الأندلسي، و الموال ، والكان كان، والرباعيات، و المثلث، و المربع، والمخمس ، . . . إلخ ، وكل هذه الأشكال التزمت الشكل العمودي للقصيدة ، ثم دخل تغيير على الشكل العمودي ، فنجد المسرحية الشعرية كمسرحيات شوقي وغيره ممن كتب على شاكلته .
 ثانياً : ((الأشكال المستحدثة عند شعراء التمرد)) : لما ظهرت حركة الترجمة، و انفتح العرب على الثقافات الأجنبية، و ما لها من آثار طيبة على شتى العلوم والفنون و الآداب ، إلا أن الترجمة في مجال الشعر بشكل خاص كانت وبالاً على الشعر العربي و الشعراء من أبناء العربية - لماذا؟ لأنه من ثوابت الشعر أن القصيدة الشعرية لا يمكن ترجمتها إلى لغة أخرى ، بل يستحيل ذلك ؛ لأن القصيدة بنت لغتها التي كتبت بها، فإن ترجمت فإنها تفقد معظم أركانها من : لغة وبناء وبلاغة وعلم الأصوات وعلم الوزن الشعري . . . إلخ ، و ليس ما نقرؤه من شعر مترجم إلا نصا ً مهلهلاً، خرج عن كونه قصيدة بديعة لأصحابها من الشعراء الأفذاذ المعروفين. ولعله يبرز إلى الذهن تساؤل عن رباعيات الخيام التي كتبها الشاعر العربي المصري أحمد رامي ترجمة لنص الشاعر الفارسي الشهير عمر الخيام . . . أقول ببساطة إن قصيدة رامي ليست ترجمة ، وإنما تعريب - و شتان ما بين الترجمة والتعريب - فالترجمة قد تفلح في نقل قصة لشكسبير مثلا ًإلى العربية ، و لكن المترجم سيفشل حتماًفي ترجمة أيسر القصائد بناء و أقلها أبياتاً من و إلى اللغة العربية. من هنا نجد أن النص العربي المترجم لقصيدة ما لأحد المشاهير من الشعراء الأجانب نجده نصاً مهلهلاً ، ركيكاً في أسلوبه ،فاقداً لبلاغته التي أحكمت صياغتها بلغتها الأم ، و حتى قوافيها تنعدم تماماً ، بل إن النص يفقد جذوته الشعرية و أبعاده الوجدانية. ولقد أصبح هذا الشكل المترجم في القصيدة الشعرية هو السلعة المتاحة لدى شبابنا الذين لم يتعلموا الأدوات الشعرية الأصيلة ، و أصبحت النظرة إلى الشعر العربي الأصيل نظرة اشمئزاز و نفور ــ من جانب هؤلاء ــ و أصبحت قواعد الوزن والموسيقى الشعرية مجرد طلاسم لاحاجة لهم بها- و أن هؤلاء الشباب قد وجدوا بعضاً ممن سبقهم من الشعراء خرجوا علينا بما أسموه (الشعر الحر، شعر التمرد ، قصيدة النثر ، الشعر المنثور ، شعر التفعيلة، . . .) ، و إذا حاولنا تفسير معنى التمرد ، و علام تمرد هؤلاء؟ ، لوجدنا نصاً تكسرت فيه قواعد اللغة والنحو والبلاغة والموسيقى ، ناهيك عن الغموض في مدلول النص - بل إن الأمر ازداد سوءاً بأنهم ينكرون علينا الالتزام بالقواعد الشعرية و أدوات الشاعر الموثقة في ديوان العرب. من الجدير بالذكر أن ما ذكرته حول (الشعر الحر، شعر التمرد، . . .) ما هو إلا سلاحاً خبيثاً ؛ لتدمير لغتنا العربية بمكوناتها من علوم البلاغة ،والبيان ،و النحو . . . هذا السلاح الذي يروج له أعداؤنا - ومن أسف - تستجيب له بعض وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية على تنوعها .. فإن ذلك في النهاية إن هو إلا محاربة للقرآن الكريم الذي لا نستطيع أن نفهم معناه و لا نتكشف أسراره ولا نتلمس إعجازه إلا من خلال تلك الأدوات التي أشرت إليها - إلى جانب الإلمام بشرائط التفسير التي اتفق عليها علماء التفسير . و لست أبالغ بالقول إن الأمر إن دام على هذا المنوال فإنه يُخشى أن يأتي اليوم الذي نقرأ فيه القرآن الكريم على أنه لغة غريبة عنا ، و أن معانيه تصبح طلاسم لا جدوى منها ، و أن محاولة التنقيب عن الإعجاز العلمي واللغوي فيه هو ضرب من الخيال؛ حينئذ تكون لغته غريبة عنا، ونحن غرباء عنها - وخاصة أن مشكلات التعليم ليست بخافية عنا ، و ضعف مستوى اللغة العربية أصبح كالسوس ينخر في عقول الأجيال الجديدة المتعاقبة ، إلا من رحم ربي . و لكن يبقى بصيص الأمل في أعيننا ماثلاً ، و في ضمائرنا ساكناً استئناساً بقول الله عز و جل: "إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون" - صدق الله العظيم.

تعليقات